الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

33

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الاستقبال . وليس المعنى : إن أطعتموهم في الإشراك باللّه فأشركتم باللّه إنّكم لمشركون ، لأنّه لو كان كذلك لم يكن لتأكيد الخبر سبب ، بل ولا للإخبار بأنّهم مشركون فائدة . وجملة : إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ جواب الشرط ، ولم يقترن بالفاء لأنّ الشّرط إذا كان مضافا يحسن في جوابه التّجريد عن الفاء ، قاله أبو البقاء العكبري ، وتبعه البيضاوي ، لأنّ تأثير الشّرط الماضي في جزائه ضعيف ، فكما جاز رفع الجزاء وهو مضارع ، إذا كان شرطه ماضيا ، كذلك جاز كونه جملة اسميّة غير مقترنة بالفاء . على أنّ كثيرا من محقّقي النّحويين يجيز حذف فاء الجواب في غير الضّرورة ، فقد أجازه المبرّد وابن مالك في شرحه على « مشكل الجامع الصّحيح » . وجعل منه قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة » على رواية إن - بكسر الهمزة - دون رواية - فتح الهمزة - . [ 122 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 122 ] أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) الواو في قوله : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً عاطفة لجملة الاستفهام على جملة : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [ الأنعام : 122 ] لتضمّن قوله : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أنّ المجادلة ، المذكورة من قبل ، مجادلة في الدّين : بتحسين أحوال أهل الشّرك وتقبيح أحكام الإسلام الّتي منها : تحريم الميتة ، وتحريم ما ذكر اسم غير اللّه عليه . فلمّا حذر اللّه المسلمين من دسائس أولياء الشّياطين ومجادلتهم بقوله : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [ الأنعام : 121 ] أعقب ذلك بتفظيع حال المشركين ، ووصف حسن حالة المسلمين حين فارقوا الشّرك ، فجاء بتمثيلين للحالتين ، ونفى مساواة إحداهما للأخرى : تنبيها على سوء أحوال أهل الشّرك وحسن حال أهل الإسلام . والهمزة للاستفهام المستعمل في إنكار تماثل الحالتين : فالحالة الأولى : حالة الّذين أسلموا بعد أن كانوا مشركين ، وهي المشبّهة بحال من كان ميّتا مودعا في ظلمات ، فصار حيّا في نور واضح ، وسار في الطّريق الموصّلة للمطلوب بين النّاس ، والحالة الثّانية : حالة المشرك وهي المشبّهة بحالة من هو في الظلمات ليس بخارج منها ، لأنّه في ظلمات . وفي الكلام إيجاز حذف ، في ثلاثة مواضع ، استغناء بالمذكور عن المحذوف : فقوله : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً معناه : أحال من كان ميّتا ، أو صفة من كان ميّتا . وقوله : وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يدلّ على أنّ المشبّه به حال من كان ميّتا في